ندى الايام
08-24-2008, 01:51 PM
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]
.
.
" 1 "
تمهيد
هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد ، لم يألفه الناس عندنا من قبل . وأكاد أثق بأن فريقا منهم سيلقونه ساخطين عليه ، وبأن فريقا آخر سيزورون عنه ازورارا . ولكني على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث ، أو بعبارة أصح أريد أن أقيده ، فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابي في الجامعة . وليس سرا ما تتحدث به إلى أكثر من مائتين .
ولقد اقتنعت بنتائج هذا البحث اقتناعا ما أعرف أني شعرت بمثله في تلك المواقف المختلفة التي وقفتها من تاريخ الأدب العربي . وهذا الاقتناع القوي هو الذي يحملني على تقييد هذا البحث ونشره في هذه الفصول ، غير حافل بسخط الساخط ولا مكترث بازورار المزور . وأنا مطمئن إلى أن هذا البحث وإن أسخط قوما وشق على آخرين ، فسيرضى هذه الطائفة القليلة من المستنيرين الذين هم في حقيقة الأمر عدة المستقبل وقوام النهضة الحديثة وذخر الأدب الجديد .
ولقد تناول الناس منذ حين مسألة القديم والجديد ، واشتد فيها اللجاج بينهم ، وخيل إلى بعضهم أن المختصين أنفسهم لم يتناولوا المسألة من جميع أطرافها ، فهم لم يكادوا يتجاوزون فنون الأدب التي يتعاطاها الناس من نثر وشعر ، والأساليب التي تصطنع في هذه الفنون والمعاني ، والألفاظ التي يعمد إليها الكاتب أو الشاعر حين يريد أن يتحدث إلى الناس بعواطف نفسه أو نتائج عقله . ولكن للمسألة وجها آخر لا يتناول الفن الكتابي أو الشعري ، وإنما يتناول البحث العلمي عن الأدب وتاريخ فنونه .
نحن بين اثنين : إما أن نقبل في الأدب وتاريخه ما قال القدماء ، لا نتناول ذلك من النقد إلا بهذا المقدار اليسير الذي لا يخلو منه كل بحث والذي يتيح لنا أن نقول : أخطأ الأصمعي أو أصاب ، ووفق أبو عبيدة أو لم يوفق ، واهتدى الكسائي أو ضل الطريق ، وإما أن نضع علم المتقدمين كله موضع بحث . لقد أنسيت ، فلست أريد أن أقول البحث وإنما أريد أن أقول الشك . أريد ألا نقبل شيئا مما قال القدماء في الأدب وتاريخه ألا بعد بحث وتثبت إن لم ينتهيا إلى اليقين فقد ينتهيان إلى الرجحان .
والفرق بين هذين المذهبين في البحث عظيم ، فهو الفرق بين الإيمان الذي يبعث على الاطمئنان والرضا ، والشك الذي يبعث على القلق والاضطراب وينتهي في الكثير من الأحيان إلى الإنكار والجحود .
المذهب الأول يدع كل شيء حيث تركه القدماء لا يناله بتغيير ولا تبديل ولا يمسه في جملته وتفصيله إلا مسا رفيقا . أما المذهب الثاني فيقلب العلم القديم رأسا على عقب . وأخشى إن لم يمح أكثره أن يمحو منه شيئا كثيرا .
ولندع هذا النحو من الكلام العام ولنوضح ما نريد أن نقوله بشيء من الأمثلة :
بين يدينا مسألة الشعر الجاهلي نريد أن ندرسها وننتهي فيها إلى الحق . فأما أنصار القديم فالطريق أمامهم واضحة معبدة ، والأمر عليهم سهل يسير . أليس قد أجمع القدماء من علماء الأمصار في العراق والشام وفارس ومصر والأندلس على أن طائفة كثيرة من الشعراء قد عاشت قبل الإسلام وقالت كثيرا من الشعر ؟ أليس قد أجمع هؤلاء العلماء أنفسهم على أن لهؤلاء الشعراء أسماء معروفة محفوظة مضبوطة يتناقلها الناس ولا يكادون يختلفون فيها ؟ أليس قد أجمع هؤلاء العلماء على أن لهؤلاء الشعراء مقدارا من القصائد والمقطوعات حفظه عنهم رواتهم وتناقله عنهم الناس ، حتى جاء عصر التدوين فدون في الكتب وبقى منه ما شاء الله أن يبقى إلى أيامنا ؟ وإذا كان العلماء قد اجمعوا على هذا كله فرووا لنا أسماء الشعراء وضبطوها ونقلوا إلينا آثار الشعراء وفسروها ، فلم يبق إلا أن تأخذ عنهم ما قالوا راضين به مطمئنين إليه . فإذا لم يكن لأحدنا يد من أن يبحث وينقد ويحقق فهو يستطيع هذا دون أن يجاوز مذهب أنصار القديم . فالعلماء قد اختلفوا في الرواية بعض الاختلاف وتفاوتوا في الضبط بعض التفاوت . فلتوازن بينهم ولنرجح رواية على رواية ولنؤثر ضبطا على ضبط ، ولنقل : أصاب البصريون أخطأ الكوفيون ، أو وفق المبرد ولم يوفق ثعلب . لنذهب في الأدب وفنونه مذهب الفقهاء في الفقه بعد أن أغلق باب الاجتهاد : هذا مذهب أنصار القديم ، وهو المذهب الذائع في مصر ، وهو المذهب الرسمي أيضا ، مضت عليه مدارس الحكومة وكتبها ومنهجها على ما بينها من تفاوت واختلاف .
ولا ينبغي أن تخدعك هذه الألفاظ المستحدثة في الأدب ، ولا هذا النحو من التأليف الذي يقسم التاريخ الأدبي إلى عصور ، ويحاول أن يدخل فيه شيئا من الترتيب والتنظيم ؛ فذلك كله عناية بالقشور والأشكال لا يمس اللباب ولا الموضوع . فما زال العرب ينقسمون إلى بائدة وباقية ، وإلى عاربة ومستعربة . وما زال أولئك من جرهم ، وهؤلاء من ولد إسماعيل . وما زال امرؤ القيس صاحب " قفا نبك ... " وطرفة صاحب " لخولة أطلال ... " وعمر بن كلثوم صاحب " ألا هبي ... " ، وما زال كلام العرب في جاهليتها وإسلامها ينقسم إلى شعر ونثر . والنثر ينقسم إلى مرسل ومسجوع ، إلى آخر هذا الكلام الكثير الذي يفرغه أنصار القديم فيما يضعون من كتب وما يلقون على التلاميذ والطلاب من دروس .
هم لم يغيروا في الأدب شيئا . وما كان لهم أن يغيروا فيه شيئا وقد أخذوا أنفسهم بالاطمئنان إلى ما قال القدماء وأغلقوا على أنفسهم في الأدب باب الاجتهاد كما أغلقه الفقهاء في الفقه والمتكلمون في الكلام .
وأما أنصار الجديد ، فالطريق أمامهم معوجة ملتوية ، تقوم فيها عقاب لا تكاد تحصى . وهم لا يكادون يمضون إلا في أناة وريث هما إلى البطء أقرب منهما إلى السرعة . ذلك أنهم لا يأخذون أنفسهم بإيمان ولا اطمئنان ، أو هم لم يرزقوا هذا الإيمان والاطمئنان . فقد خلق الله لهم عقولا تجد من الشك لذة وفي القلق والاضطراب رضا . وهم لا يريدون أن يخطوا في تاريخ خطوة حتى يتبينوا موضعها . وسواء عليهم وافقوا القدماء وأنصار القديم أم كان بينهم وبينهم أشد الخلاف .
هم لا يطمئنون إلى ما قال القدماء ، وإنما يلقونه بالتحفظ والشك . ولعل أشد ما يملكهم الشك حين يجدون من القدماء ثقة واطمئنانا . هم يريدون أن يدرسوا مسألة الشعر الجاهلي فيتجاهلون إجماع القدماء على ما اجمعوا عليه ، ويتساءلون : أهناك شعر جاهلي ؟ فإن كان هناك شعر جاهلي فما السبيل إلى معرفته ؟ وما هو ؟ وما مقداره ؟ وبم تميز من غيره ؟ ويمضون في طائفة من الأسئلة يحتاج حلها إلى روية وأناة وإلى جهود الجماعات العلمية لا إلى جهود الأفراد . هم لا يعرفون أن العرب ينقسمون إلى باقية وبائدة ، وعاربة ومستعربة ، ولا أن أولئك من جرهم ، وهؤلاء من ولد إسماعيل ، ولا أن امرأ القيس وطرفة وابن كلثوم قالوا هذه المطولات ، ولكنهم يعرفون أن القدماء كانوا يرون ذلك . ويريدون أن يتبينوا أكان القدماء مصيبين أم مخطئين ؟
والنتائج اللازمة لهذا المذهب الذي يذهبه المجددون عظيمة جليلة الخطر ، فهي إلى الثورة الأدبية أقرب منها إلى أي شيء آخر . وحسبك أنهم يشكون فيما كان الناس يرونه يقينا ، وقد يجحدون ما أجمع الناس على أنه حق لا شك فيه .
وليس حظ هذا المذهب منتهيا عند هذا الحد ، بل هو يجاوزه إلى حدود أخرى أبعد منه مدى وأعظم أثرا . فهم قد ينتهون إلى تغيير التاريخ أو ما اتفق الناس على أنه تاريخ . وهم قد ينتهون إلى الشك في أشياء لم يكن يباح الشك فيها . وهم بين اثنين : إما أن يجحدوا أنفسهم ويجحدوا العلم وحقوقه فيريحوا ويستريحوا ؛ وإما أن يعرفوا لأنفسهم حقها ويؤدوا للعلم واجبه ، فيعترضوا لما ينبغي أن يتعرض له العلماء من الأذى ويحتملوا ما ينبغي أن يتعرض له العلماء من سخط الساخطين .
ولست أزعم أني من العلماء . ولست أتمدح بأني أحب أن أتعرض للأذى . وربما كان الحق أني أحب الحياة الهادئة المطمئنة وأرد أن أتذوق لذات العيش في دعة ورضا . ولكني مع ذلك أحب أن أفكر ، وأحب أن أبحث ، وأحب أن أعلن إلى الناس ما انتهى إليه بعد البحث والتفكير ؛ ولا أكره أن آخذ نصيبي من رضا الناس عني أو سخطهم على حين أعلن إليهم ما يحبون أو ما يكرهون . وإذن فلأعتمد على الله ، ولأحدثك بما أحب أحدثك به في صراحة وأمانة وصدق ، ولأجتنب في هذا الحديث هذه الطرق التي يسلكها المهرة من الكتاب ليدخلوا على الناس ما لم يألفوا في رفق وأناة وشيء من الاحتياط كثير .
وأول شيء أفجؤك به في هذا الحديث هو أني شككت في قيمة الشعر الجاهلي وألححت في الشك ، أو قل ألح عليّ الشك ، فأخذت أبحث أفكر وأقرأ وأتدبر ، حتى انتهى بي هذا كله إلى شيء إلا يكن يقينا فهو قريب من اليقين . ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء ، وإنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام ، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين . وأكاد لا أشك في أن ما بقى من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جدا لا يمثل شيئا ولا يدل على أي شيء ، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي . وأنا أقدر النتائج الخطرة لهذه النتيجة ، ولكني مع ذلك لا أتردد في إثباتها وإذاعتها ، ولا أضعف عن أن أعلن إليك وإلى غيرك من القراء أن ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء الناس في شيء ؛ وإنما هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صنعة النحاة أو تكلف القصاص أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين .
وأنا أزعم مع هذا كله أن العصر الجاهلي القريب من الإسلام لم يضع ، وأنا نستطيع أن نتصوره تصورا واضحا قويا صحيحا . ولكن بشرط ألا نعتمد على الشعر ، بل على القرآن من ناحية ، والتاريخ والأساطير من ناحية أخرى .
وستسألني كيف انتهى بي البحث إلى هذه النظرية الخطرة ؟ ولست أكره أن أجيبك على هذا السؤال ؛ بل أنا لا أكتب ما أكتب إلا لأجيبك عليه . ولأجل أن أجيبك عليه إجابة مقنعة يجب أن أتحدث إليك في طائفة مختلفة من المسائل . وسترى أن هذه الطائفة المختلفة من المسائل تنتهي كلها إلى نتيجة واحدة هي هذه النظرية التي ذكرتها منذ حين . يجب أن أحدثك عن الحياة السياسية الداخلية للأمة العربية بعد ظهور الإسلام ووقوف حركة الفتح ، وما بين هذه الحياة وبين الشعر من صلة . ويجب أن أحدثك عن حال أولئك الناس الذين غلبوا على أمرهم بعد الفتح في بلاد الفرس وفي الشام والجزيرة والعراق ومصر ، وما بين هذه الحال وبين لغة العرب وآدابهم من صلة . ويجب أن أحدثك عن نشأة العلوم الدينية واللغوية وما بينها وبين اللغة والأدب من صلة . ثم يجب أن أحدثك عن اليهود في بلاد العرب قبل الإسلام وبعده ، وما بين اليهود هؤلاء وبين الأدب العربي من صلة . ويجب أن أحدثك بعد هذا عن المسيحية وما كان لها من الانتشار في بلاد العرب قبل الإسلام وما أحدثت من تأثير في حياة العرب العقلية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية ، وما بين هذا كله وبين الأدب العربي والشعر العربي من صلة . ثم يجب أن أحدثك عن مؤثرات سياسية خارجية عملت في حياة العرب قبل الإسلام وكان لها أثر قوي جدا في الشعر العربي الجاهلي وفي الشعر العربي الذي انتحل وأضيف إلى الجاهليين . وهذه المباحث التي أشرت إليها ستنتهي كلها إلى تلك النظرية التي قدمتها : وهي أن الكثرة المطلقة مما نسميه الشعر الجاهلي ليست من الشعر الجاهلي في شيء .
ولكني مع ذلك لن أقف عند هذه المباحث ؛ لأني لم أقف عندها فيما بيني وبين نفسي بل جاوزتها . وأريد أن أجاوزها معك إلى نحو آخر من البحث أظنه أقوى دلالة وأنهض حجة من المباحث الماضية كلها ، ذلك هو البحث الفني واللغوي . فسينتهي بنا هذا البحث إلى أن هذا الشعر الذي ينسب إلى امرئ القيس أو إلى الأعشى أو إلى غيرهما من الشعراء الجاهليين لا يمكن من الوجهة اللغوية والفنية أن يكون لهؤلاء الشعراء ، ولا أن يكون قد قيل وأذيع قبل أن يظهر القرآن . نعم ! وسينتهي بنا هذا المبحث إلى نتيجة غريبة ، وهي أنه لا ينبغي أن يستشهد بهذا الشعر على تفسير القرآن وتأويل الحديث ، وإنما ينبغي أن يستشهد بالقرآن والحديث على تفسير هذا الشعر وتأويله ، أريد أن أقول إن هذه الأشعار لا تثبت شيئا ولا تدل على شيء ولا ينبغي أن تتخذ وسيلة إلى ما اتخذت إليه من علم بالقرآن والحديث . فهي إنما تكلفت واخترعت اختراعا ليستشهد بها العلماء على ما كانوا يريدون أن يستشهدوا عليه .
فإذا انتهينا من هذه الطرق كلها إلى غاية واحدة هي هذه النظرية التي قدمتها ، فسنجتهد في أن نبحث عما يمكن أن يكون شعرا جاهليا حقا . وأنا أعترف منذ الآن بأن هذا البحث عسير كل العسر ، وبأني أشك شكا شديدا في أنه قد ينتهي بنا إلى نتيجة مرضية . ومع ذلك فسنحاوله .
" 2 "
منهج البحث
أحب أن أكون واضحا جليا وأن أقول للناس ما أريد أن أقول دون أن اضطرهم إلى أن يتأولوا ويذهبوا مذاهب مختلفة في النقد والتفسير والكشف عن الأغراض التي أرمي إليها . أريد أن أريح الناس من هذا اللون من ألوان التعب ، وأن أريح نفسي من الرد والدفع والمناقشة فيما لا يحتاج إلى مناقشة . أريد أن أقول إني سأسلك في هذا النحو من البحث مسلك المحدثين من أصحاب العلم والفلسفة فيما تناولون من العلم والفلسفة . أريد أن اصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه (ديكارت) للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث . والناس جميعا يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل ، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلوا تاما , والناس جميعا يعلمون أن هذا المنهج الذي سخط عليه أنصار القديم في الدين والفلسفة يوم ظهر ، قد كان من أخصب المناهج وأقومها وأحسنها أثرا ، وأنه قد جدد العلم والفلسفة تحديدا ، وأنه غير مذاهب الأدباء في أدبهم والفنانين في فنونهم ، وأنه هو الطابع الذي يمتاز به هذا العصر الحديث .
فلنصطنع هذا المنهج حن نريد أن نتناول أدبنا العربي القديم تاريخه بالبحث والاستقصاء . ولنستقبل هذا الأدب وتاريخه وقد برأنا أنفسنا من كل ما قيل فيهما من قبل وخلصنا من كل هذه الأغلال الكثيرة التي تأخذ أيدينا وأرجلنا ورؤوسنا فتحول بيننا وبين الحركة الجسمية الحرة أيضا .
نعم ! يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخصاتها ، وأن ننسى ديننا وكل ما يتصل به ، وأن ننسى ما يضاد هذه القومية وما يضاد هذا الدين ؛ يجب ألا نتقيد بشيء ولا نذعن لشيء إلا مناهج البحث العلمي الصحيح . ذلك أنـّا إذا لم ننس قوميتنا وديننا وما يتصل بهما فسنضطر إلى المحاباة وإرضاء العواطف ، وسنغل عقولنا بما يلائم هذه القومية وهذا الدين . وهل فعل القدماء غير هذا ؟ وهل أفسد علم القدماء شيء غير هذا ؟ كان القدماء عربا يتعصبون للعرب ، أو كانوا عجما يتعصبون على العرب ؛ فلم يبرأ علمهم من الفساد ؛ لأن المتعصبين للعرب غلوا في تمجيدهم وإكبارهم فأسرفوا على أنفسهم وعلى العلم ؛ ولأن المتعصبين على العرب غلوا في تحقيرهم وإصغارهم فأسرفوا على أنفسهم وعلى العلم أيضا .
كان القدماء مسلمين مخلصين في حب الإسلام ، فأخضعوا كل شيء لهذا الإسلام وحبهم إياه ، ولم يعرضوا لمبحث علمي ولا لفصل من فصول الأدب أو لون من ألوان الفن إلا من حيث أنه يؤيد الإسلام ويعزه ويعلي كلمته . فما لاءم مذهبهم هذا أخذوه ، وما نافره انصرفوا عنه انصرافا . أو كان القدماء غير المسلمين : يهوداً أو نصارى أو مجوسا أو ملحدين أو مسلمين في قلوبهم مرض وفي نفوسهم زيغ ، فتأثروا في حياتهم العلمية بمثل ما تأثر به المسلمون الصادقون : تعصبوا على الإسلام ونحوا في بحثهم العلمي نحو الغض منه والتصغير من شأنه ، فظلموا أنفسهم وظلموا الإسلام وأفسدوا العلم وجنوا على الأجيال المقبلة . ولو أن القدماء استطاعوا أن يفرقوا بين عقولهم وقلوبهم وأن يتناولوا العلم على نحو ما يتناوله المحدثون لا يتأثرون في ذلك بقومية ولا عصبية ولا دين ولا ما يتصل بهذا كله من الأهواء ، لتركوا لنا أدبا غير الأدب الذي نجده بين أيدينا ، ولأراحونا من هذا العناء الذي نتكلفه الآن . ولكن هذه طبيعة الإنسان لا سبيل إلى التخلص منها . وأنت تستطيع أن تقول هذا الذي نقوله في كل شيء . فلو أن الفلاسفة ذهبوا في الفلسفة مذهب (ديكارت) منذ العصور الأولى ، لما احتاج (ديكارت) إلى أن يستحدث منهجه الجديد . ولو أن المؤرخين ذهبوا في كتابة منذ العصور الأولى مذهب (سينيو بوس) لما احتاج (سينيو بوس) إلى أن يستحدث منهجه في التاريخ . وبعبارة أدنى إلى الإيجاز : لو أن الإنسان خلق كاملا لما احتاج إلى أن يطمع في الكمال .
فلندع لوم القدماء على ما تأثروا به في حياتهم العلمية مما أفسد عليهم العلم . ولنجتهد في ألا نتأثر كما تأثروا وفي ألا نفسد العلم كما أفسدوه . لنجتهد في أن ندرس الأدب العربي غير حافلين بتمجيد العرب أو الغض منهم ، ولا مكترثين بنصر الإسلام أو النعي عليه ، ولا معنيين بالملاءمة بينه وبين نتائج البحث العلمي والأدبي ، ولا وجلين حين ينتهي بنا هذا البحث إلا ما تأباه القومية أو تنفر منه الأهواء السياسية أو تكرهه العاطفة الدينية . فإن نحن حررنا أنفسنا إلى هذا الحد فليس من شك في أننا سنصل ببحثنا العلمي إلى نتائج لم يصل إلى مثلها القدماء . وليس من شك في أننا سنلتقي أصدقاء سواء اتفقنا في الرأي أو اختلفنا فيه . فما كان اختلاف الرأي في العلم سببا من أسباب البغض ؛ إنما الأهواء والعواطف هي التي تنتهي بالناس إلى ما يفسد عليهم الحياة من البغض والعداء .
فأنت ترى أن منهج (ديكارت) هذا ليس خصبا في العلم والفلسفة والأدب فحسب ، وإنما هو خصب في الأخلاق والحياة الاجتماعية أيضا . وأنت ترى أن الأخذ بهذا المنهج ليس حتما على الذين يدرسون العلم ويكتبون فيه وحدهم ، بل هو حتم على الذين يقرءون أيضا . وأنت ترى أني غير مسرف حين أطلب منذ الآن إلى الذين لا يستطيعون أن يبرءوا من القديم ويخلصوا من أغلال العواطف والأهواء حين يقرءون العلم أو يكتبون فيه ألا يقرءوا هذه الفصول . فلن تفيدهم قراءتها إلا أن يكونوا أحرارا حقا .
" 3 "
مرآة الحياة الجاهلية يجب أن تلتمس في القرآن لا في الشعر الجاهلي
على أني أحب أن يطمئن الذين يكلفون بالأدب العربي القديم ويشفقون عليه ويجدون شيئا من اللذة في أن يعتقدوا أن هناك شعرا جاهليا يمثل حياة جاهلية انقضى عصرها بظهور الإسلام ؛ فلن يمحو هذا الكتاب ما يعتقدون ، ولن يقطع السبيل بينهم وبين هذه الحياة الجاهلية يدرسونها ويجدون في درسها ما يبتغون من لذة علمية وفنية . بل أنا ذاهب إلى أبعد من هذا ، فأزعم أني سأكتشف لهم طريقا جديدة واضحة قصيرة سهلة يصلون منها إلى هذه الحياة الجاهلية ، أو بعبارة أصح : يصلون منها إلى حياة جاهلية لم يعرفوها ، إلى جاهلية قيمة مشرفة ممتعة مخالفة كل المخالفة لهذه الحياة التي يجدونها في المطولات وغيرها مما ينسب إلى الشعراء الجاهليين .
ذلك أني لا أنكر الحياة الجاهلية وإنما أنكر أن يمثلها هذا الشعر الذي يسمونه الشعر الجاهلي . فإذا أردت أن أدرس الحياة الجاهلية فلست أسلك إليها طريق امرئ القيس والنابغة والأعشى وزهير ، لأني لا أثق بما ينسب إليهم ؛ وإنما أسلك إليها طريقا أخرى ، وأدرسها في نص لا سبيل إلى الشك في صحته ، أدرسها في القرآن . فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي . ونص القرآن ثابت لا سبيل إلى الشك فيه . أدرسها في القرآن ، وأدرسها في شعر هؤلاء الشعراء الذين عاصروا النبي وجادلوه ، وفي شعر الشعراء الآخرين الذين جاءوا بعده ولم تكن نفوسهم قد طابت عن الآراء والحياة التي ألفها آباؤهم قبل ظهور الإسلام . بل أدرسها في الشعر الأموي نفسه . فلست أعرف أمة من الأمم القديمة استمسكت بمذهب المحافظة في الأدب ولم تجدد فيه إلا بمقدار كالأمة العربية . فحياة العرب الجاهليين ظاهرة في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طرفة وعنترة والشماخ وبشر بن أبي حازم .
قلت : أن القرآن أصدق مرآة للحياة الجاهلية . وهذه القضية غريبة حين تسمعها ؛ ولكنها بديهية حين تفكر فيها قليلا . فليس من اليسير أن نفهم الناس قد أعجبوا بالقرآن حين تليت عليهم آياته إلا أن تكون بينهم وبينه صلة هي هذه الصلة التي توجد بين الأثر الفني البديع وبين الذين يعجبون به حين يسمعونه أو ينظرون إليه . وليس من اليسير أن نفهم أن العرب قد قاوموا القرآن وناهضوه وجادلوا النبي فيه إلا أن يكونوا قد فهموه ووقفوا على أسراره ودقائقه . وليس من اليسير بل ليس من الممكن أن نصدق أن القرآن كان جديدا كله على العرب . فلو كان كذلك لما فهموه ولا وعوه ، ولا آمن به بعضهم ولا ناهضه وجادل فيه بعضهم الآخر . إنما كان القرآن جديدا في أسلوب ، جديدا فيما يدعو إليه ، جديدا فيما شرع للناس من دين وقانون ، ولكنه كان كتابا عربيا ؛ لغته هي اللغة العربية الأدبية التي كان يصطنعها الناس في عصره ، أي في العصر الجاهلي . وفي القرآن رد على الوثنيين فيما كانوا يعتقدون من الوثنية ، وفيه رد على اليهود ، وفيه رد على النصارى ، وفيه رد على الصائبة والمجوس . وهو لا يرد على يهود فلسطين ، ولا على نصارى الروم ، ومجوس الفرس ، وصائبة الجزيرة وحدهم ، وإنما يرد على فرق من العرب كانت تمثلهم في البلاد العربية نفسها . ولولا ذلك لما كانت له قيمة ولا خطر ، ولما حفل به أحد من أولئك الذين عارضوه وأيدوه ، وضحوا في سبيل تأييده ومعارضته بالأموال والحياة .
أفترى أحدا يحفل بي لو أني أخذت أهاجم البوذية أو غيرها من هذه الديانات التي لا يدينها أحد في مصر ؟ ولكني أغيظ النصارى حين أهاجم النصرانية ، وأهيج اليهود حين أهاجم اليهودية ، وأُحفظ المسلمين حين أهاجم الإسلام . وأنا لا أكاد أعرض لواحد من هذه الأديان حتى أجد مقاومة الأفراد ثم الجماعات ، ثم مقاوم الدولة نفسها تمثلها النيابة والقضاء . ذلك لأني أهاج ديانات ممثلة في مصر يؤمن بها المصريون وتحميها الدولة المصرية . وكذلك كانت الحال حين ظهر الإسلام : هاجم الوثنية فعارضوه الوثنيون ، هاجم اليهود فعارضه اليهود ، هاجم النصارى فعارضه النصارى , ولم تكن هذه المعارضة هينة ولا لينة ، وإنما كانت تقدر بمقدار ما كان لأهلها من قوة ومنعة وبأس في الحياة الاجتماعية والسياسية . فأما وثنية قريش فقد أخرجت النبي من مكة ونصبت له الحرب واضطرت أصحابه إلى الهجرة . وأما يهودية اليهود فقد ألبت عليه وجاهدته جهادا عقليا وجدليا ، ثم انتهت إلى الحرب والقتال . وأما نصرانية النصارى فلم تكن معارضتها للإسلام إبان حياة النبي قوية قوة المعارضة الوثنية واليهودية . لماذا ؟ لأن البيئة التي ظهر فيها النبي لم تكن بيئة نصرانية ، إنما كانت وثنية في مكة ، يهودية في المدينة . ولو ظهر النبي في الحيرة أو في نجران للقى من النصارى هاتين المدينتين مثل ما لقى من مشركي مكة ويهود المدينة .
وفي الحق أن الإسلام لم يكد يظهر على مشركي الحجاز ويهوده حتى استحال الجهاد بينه وبين النصارى من جدال ونضال بالحجة إلى اصطدام مسلح ، أدرك النبي أوله وانتهى به الخلفاء إلى أقصى حدوده .
فأنت ترى أن القرآن حيث يتحدث عن الوثنيين واليهود والنصارى وغيرهم من أصحاب النحل والديانات إنما يتحدث عن العرب وعن نحل ديانات ألفها العرب . فهو يبطل منها ما يبطل ، ويؤيد منها ما يؤيد . وهو يلقى في ذلك من المعارضة والتأييد بمقدار ما لهذه النحل والديانات من السلطان على نفوس الناس . وإذن فما أبعد الفراق بين نتيجة البحث عن الحياة الجاهلية في هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين والبحث عنها في القرآن !
فأما هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين فيظهر لنا حياة غامضة جافة بريئة أو كالبريئة ومن الشعور الديني القوى والعاطفة الدينية المتسلطة على النفس والمسيطرة على الحياة العملية ؛ وإلا فأين تجد شيئا من هذا في شعر امرئ القيس أو طرفة أو عنترة ! أو ليس عجبا أن يعجز الشعر الجاهلي كله عن تصوير الحياة الدينية للجاهليين ! .
وأما القرآن فيمثل لنا شيئا آخر ، يمثل لنا حياة دينية قوية تدعو أهلها إلى أن يجادلوا عنها ما وسعهم الجدال . فإذا رأوا أنه قد أصبح قليل الغناء لجأوا إلى الكيد ، ثم إلى الاضطهاد ، ثم إلى إعلان الحرب التي لا تبقى ولا تذر .
فتظن أن قريشا كانت تكيد لأبنائها وتضطهدهم وتذيقهم ألوان العذاب ثم تخرجهم من ديارهم ثم تنصب لهم الحرب وتضحي في سبيلها بثروتها وقوتها وحياتها لو لم يكن لها من الدين ل ما يمثله هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين ؟ كلا ! كانت قريش متدينة قوية الايمان بدينها . ولهذا الدين وللايمان بهذا الدين جاهدت ما جاهدت وضحت ما ضحت . وقل مثل ذلك في اليهود ؛ وقل مثله في غير أولئك وهؤلاء من العرب الذي جاهدوا النبي عن دينهم .
فالقرآن إذن أصدق تمثيلا للحياة الدينية عند العرب من هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي . ولكن القرآن لا يمثل الحياة الدينية وحدها ؛ وإنما يمثل شيئا آخر غيرها لا نجده في هذا الشعر الجاهلي ، يمثل حياة عقلية قوية ، يمثل قدرة على الجدال والخصام أنفق القرآن في جهادها حظا عظيما . أليس لبقرآن قد وصف أولئك الذين كانوا يجادلون النبي بقوة الجدال والقدرة على الخصام والشدة في المحاورة ! وفيم كانوا يجادلون ويخاصمون ويحاورون ؟ في الدين وفيما يتصل بالدين من هذه المسائل المعضلة التي ينفق الفلاسفة فيها حياتهم دون ان يوفقوا الى حلها : في البعث ، في الخلق ، في امكان الاتصال بين الله و الناس ، في المعجزة وما إلى ذلك .
أفتظن قوما يجادلون في هذه الاشياء جدالا يصفه القرآن بالقوة ويشهد لأصحابه بالمهارة ، أفتظن هؤلاء القوم من الجهل والغباوة والغلظة والخشونة بحيث يمثلهم لنا هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين ! كلا ! لم يكونوا جهالا ولا أغبياء ولا غلاظا ولا أصحاب حياة خشنة جافية ؛ وإنما كانوا أصحاب علم وذكاء وأصحاب عواطف رقيقة وعيش فيه لين ونعمة .
ومهما يجب أن نحتاط ، فلم يكن العرب كلهم كذلك ؛ وإنما كانوا كغيرهم من الأمم القديمة وككثير من الأمم الحديثة منقسمين إلى طبقتين : طبقة المستنيرين الذي يمتازون بالثروة والجاه والذكاء والعلم ، وطبقة العامة الذين لا يكاد يكون لهم من هذا كله حظ .
القرآن شاهد بهذا . أليس يحدثنا عن أولئك المستضعفين الذين كفروا طاعة لسادتهم وزعمائهم لا جهادا في الرأي ولا اقتناعا بالحق ، والذين سيقولون يوم يسألون : (ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) . بلى ! والقرآن يحدثنا عن جفوة الأعراب وغلظتهم وامعانهم في الكفر والنفاق وقلة حظهم من العاطفة الرقيقة التي تحمل الإيمان والتدين . أليس هو الذي يقول : (الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله) . أليس قد شرع للنبي أن يتألف قلوب الأعراب بالمال ! بلى . فالقرآن إذن يمثل الأمة العربية على أنها كغيرها من الأمم القديمة ، فيها الممتازون المستنيرون الذين كان النبي يجادلهم ويجاهدهم ؛ وفيها العامة الذين لم يكن لهم حظ من استنارة أو امتياز والذين كانوا موضوع النزاع بين النبي بالمال أحيانا .
والقرآن لا يمثل الأمة العربية متدينة مستنيرة فحسب ، بل هو يعطينا منها صورة أخرى يدهش لها الذين تعودوا أن يعتمدوا على هذا الشعر الجاهلي في درس الحياة العربية قبل الاسلام ، فهم يعتقدون أن العرب كانوا قبل الاسلام أمة معتزلة تعيش في صحرائها لا تعرف العالم الخارجي ولا يعرفها العالم الخارجي ، وهم يبنون على هذا قضايا ونظريات ، فهم يقولون إن الشعر الجاهلي لم يتأثر بهذه المؤثرات الخاجية التي أثرت بالشعر الإسلامي : لم يتأثر بحضارة الفرس والروم . وأنى له ذلك ! لقد كان يقال في صحراء لا صلة بينها وبين الأمم المتحضرة . كلا ! القرآن يحدثنا بشيء غيرهذا ، القرآن يحدثنا بأن العرب كانوا على اتصال بما حولهم من الأمم بل كانوا على اتصال قوي قسمهم احزابا وفرقهم شيعا . أليس القرآن يحدثنا عن الروم وما كان بينهم وبين الفرس من حرب انقسمت فيها العرب إلى حزبين مختلفين : حزب يشايع أولئك ، وحزب يناصر هؤلاء ! أليس في القرآن سورة تسمى الروم وتبتدئ بهذه الايات : (آلم غابت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء) .
لم يكن العرب إذن كما يظن أصحاب هذا الشعر الجاهلي معتزلين ؛ فأنت ترى أن القرآن يصف عنايتهم بسياسة الروم والفرس . وهو يصف اتصالهم الاقتصادي بغيرهم من الأمم في السورة المعروفة (لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ..) وكانت إحدى هاتين الرحلتين إلى الشام حيث الروم ، والأخرى إلى اليمن حيث الحبشة أو الفرس .
وسيرة النبي تحدثنا أن العرب تجاوزوا بوغاز باب المندب إلى بلاد الحبشة . ألم يهاجر المهاجرون الأولون إلى هذه البلاد ! وهذه السيرة نفسها تحدثنا بأنهم تجاوزوا الشام وفلسطين إلى مصر . فلم يكونوا إذن معتزلين ، ولم يكونوا إذن بنجوة من تأثير الفرس والروم والحبش والهند وغيرهم من الأمم المجاورة لهم . لم يكونوا غير دين ولم يكونوا جهالا ولا غلاظا ولم يكونوا في عزلة سياسية أو اقتصادية بالقياس إلى الأمم الأخرى ، كذلك يمثلهم القرآن .
وإذا كانوا أصحاب علم ودين ، وأصحاب ثروة وقوة وبأس ، وأصحاب سياسة متصلة بالسياسة العامة متأثرة بها مؤثرة فيها ، فما أخلقهم أن يكونوا أمة متحضرة راقية لا أمة جاهلة همجية . وكيف يستطيع رجل عاقل أن يصدق أن القرآن قد ظهر في أمة جاهلية همجية !
أرأيت أن التماس الحياة العربية الجاهلية في القرآن أنفع وأجدى من التماسها في هذا الشعر العقيم الذي يسمونه الجاهلي ! أرأيت أن هذا النحو من البحث يغير كل التغيير ما تعودنا أن نعرف من أمر الجاهليين !
.
.
يتـــــــــ_ــــــــبـــــ_ــــــــع
.
.
" 1 "
تمهيد
هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد ، لم يألفه الناس عندنا من قبل . وأكاد أثق بأن فريقا منهم سيلقونه ساخطين عليه ، وبأن فريقا آخر سيزورون عنه ازورارا . ولكني على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث ، أو بعبارة أصح أريد أن أقيده ، فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابي في الجامعة . وليس سرا ما تتحدث به إلى أكثر من مائتين .
ولقد اقتنعت بنتائج هذا البحث اقتناعا ما أعرف أني شعرت بمثله في تلك المواقف المختلفة التي وقفتها من تاريخ الأدب العربي . وهذا الاقتناع القوي هو الذي يحملني على تقييد هذا البحث ونشره في هذه الفصول ، غير حافل بسخط الساخط ولا مكترث بازورار المزور . وأنا مطمئن إلى أن هذا البحث وإن أسخط قوما وشق على آخرين ، فسيرضى هذه الطائفة القليلة من المستنيرين الذين هم في حقيقة الأمر عدة المستقبل وقوام النهضة الحديثة وذخر الأدب الجديد .
ولقد تناول الناس منذ حين مسألة القديم والجديد ، واشتد فيها اللجاج بينهم ، وخيل إلى بعضهم أن المختصين أنفسهم لم يتناولوا المسألة من جميع أطرافها ، فهم لم يكادوا يتجاوزون فنون الأدب التي يتعاطاها الناس من نثر وشعر ، والأساليب التي تصطنع في هذه الفنون والمعاني ، والألفاظ التي يعمد إليها الكاتب أو الشاعر حين يريد أن يتحدث إلى الناس بعواطف نفسه أو نتائج عقله . ولكن للمسألة وجها آخر لا يتناول الفن الكتابي أو الشعري ، وإنما يتناول البحث العلمي عن الأدب وتاريخ فنونه .
نحن بين اثنين : إما أن نقبل في الأدب وتاريخه ما قال القدماء ، لا نتناول ذلك من النقد إلا بهذا المقدار اليسير الذي لا يخلو منه كل بحث والذي يتيح لنا أن نقول : أخطأ الأصمعي أو أصاب ، ووفق أبو عبيدة أو لم يوفق ، واهتدى الكسائي أو ضل الطريق ، وإما أن نضع علم المتقدمين كله موضع بحث . لقد أنسيت ، فلست أريد أن أقول البحث وإنما أريد أن أقول الشك . أريد ألا نقبل شيئا مما قال القدماء في الأدب وتاريخه ألا بعد بحث وتثبت إن لم ينتهيا إلى اليقين فقد ينتهيان إلى الرجحان .
والفرق بين هذين المذهبين في البحث عظيم ، فهو الفرق بين الإيمان الذي يبعث على الاطمئنان والرضا ، والشك الذي يبعث على القلق والاضطراب وينتهي في الكثير من الأحيان إلى الإنكار والجحود .
المذهب الأول يدع كل شيء حيث تركه القدماء لا يناله بتغيير ولا تبديل ولا يمسه في جملته وتفصيله إلا مسا رفيقا . أما المذهب الثاني فيقلب العلم القديم رأسا على عقب . وأخشى إن لم يمح أكثره أن يمحو منه شيئا كثيرا .
ولندع هذا النحو من الكلام العام ولنوضح ما نريد أن نقوله بشيء من الأمثلة :
بين يدينا مسألة الشعر الجاهلي نريد أن ندرسها وننتهي فيها إلى الحق . فأما أنصار القديم فالطريق أمامهم واضحة معبدة ، والأمر عليهم سهل يسير . أليس قد أجمع القدماء من علماء الأمصار في العراق والشام وفارس ومصر والأندلس على أن طائفة كثيرة من الشعراء قد عاشت قبل الإسلام وقالت كثيرا من الشعر ؟ أليس قد أجمع هؤلاء العلماء أنفسهم على أن لهؤلاء الشعراء أسماء معروفة محفوظة مضبوطة يتناقلها الناس ولا يكادون يختلفون فيها ؟ أليس قد أجمع هؤلاء العلماء على أن لهؤلاء الشعراء مقدارا من القصائد والمقطوعات حفظه عنهم رواتهم وتناقله عنهم الناس ، حتى جاء عصر التدوين فدون في الكتب وبقى منه ما شاء الله أن يبقى إلى أيامنا ؟ وإذا كان العلماء قد اجمعوا على هذا كله فرووا لنا أسماء الشعراء وضبطوها ونقلوا إلينا آثار الشعراء وفسروها ، فلم يبق إلا أن تأخذ عنهم ما قالوا راضين به مطمئنين إليه . فإذا لم يكن لأحدنا يد من أن يبحث وينقد ويحقق فهو يستطيع هذا دون أن يجاوز مذهب أنصار القديم . فالعلماء قد اختلفوا في الرواية بعض الاختلاف وتفاوتوا في الضبط بعض التفاوت . فلتوازن بينهم ولنرجح رواية على رواية ولنؤثر ضبطا على ضبط ، ولنقل : أصاب البصريون أخطأ الكوفيون ، أو وفق المبرد ولم يوفق ثعلب . لنذهب في الأدب وفنونه مذهب الفقهاء في الفقه بعد أن أغلق باب الاجتهاد : هذا مذهب أنصار القديم ، وهو المذهب الذائع في مصر ، وهو المذهب الرسمي أيضا ، مضت عليه مدارس الحكومة وكتبها ومنهجها على ما بينها من تفاوت واختلاف .
ولا ينبغي أن تخدعك هذه الألفاظ المستحدثة في الأدب ، ولا هذا النحو من التأليف الذي يقسم التاريخ الأدبي إلى عصور ، ويحاول أن يدخل فيه شيئا من الترتيب والتنظيم ؛ فذلك كله عناية بالقشور والأشكال لا يمس اللباب ولا الموضوع . فما زال العرب ينقسمون إلى بائدة وباقية ، وإلى عاربة ومستعربة . وما زال أولئك من جرهم ، وهؤلاء من ولد إسماعيل . وما زال امرؤ القيس صاحب " قفا نبك ... " وطرفة صاحب " لخولة أطلال ... " وعمر بن كلثوم صاحب " ألا هبي ... " ، وما زال كلام العرب في جاهليتها وإسلامها ينقسم إلى شعر ونثر . والنثر ينقسم إلى مرسل ومسجوع ، إلى آخر هذا الكلام الكثير الذي يفرغه أنصار القديم فيما يضعون من كتب وما يلقون على التلاميذ والطلاب من دروس .
هم لم يغيروا في الأدب شيئا . وما كان لهم أن يغيروا فيه شيئا وقد أخذوا أنفسهم بالاطمئنان إلى ما قال القدماء وأغلقوا على أنفسهم في الأدب باب الاجتهاد كما أغلقه الفقهاء في الفقه والمتكلمون في الكلام .
وأما أنصار الجديد ، فالطريق أمامهم معوجة ملتوية ، تقوم فيها عقاب لا تكاد تحصى . وهم لا يكادون يمضون إلا في أناة وريث هما إلى البطء أقرب منهما إلى السرعة . ذلك أنهم لا يأخذون أنفسهم بإيمان ولا اطمئنان ، أو هم لم يرزقوا هذا الإيمان والاطمئنان . فقد خلق الله لهم عقولا تجد من الشك لذة وفي القلق والاضطراب رضا . وهم لا يريدون أن يخطوا في تاريخ خطوة حتى يتبينوا موضعها . وسواء عليهم وافقوا القدماء وأنصار القديم أم كان بينهم وبينهم أشد الخلاف .
هم لا يطمئنون إلى ما قال القدماء ، وإنما يلقونه بالتحفظ والشك . ولعل أشد ما يملكهم الشك حين يجدون من القدماء ثقة واطمئنانا . هم يريدون أن يدرسوا مسألة الشعر الجاهلي فيتجاهلون إجماع القدماء على ما اجمعوا عليه ، ويتساءلون : أهناك شعر جاهلي ؟ فإن كان هناك شعر جاهلي فما السبيل إلى معرفته ؟ وما هو ؟ وما مقداره ؟ وبم تميز من غيره ؟ ويمضون في طائفة من الأسئلة يحتاج حلها إلى روية وأناة وإلى جهود الجماعات العلمية لا إلى جهود الأفراد . هم لا يعرفون أن العرب ينقسمون إلى باقية وبائدة ، وعاربة ومستعربة ، ولا أن أولئك من جرهم ، وهؤلاء من ولد إسماعيل ، ولا أن امرأ القيس وطرفة وابن كلثوم قالوا هذه المطولات ، ولكنهم يعرفون أن القدماء كانوا يرون ذلك . ويريدون أن يتبينوا أكان القدماء مصيبين أم مخطئين ؟
والنتائج اللازمة لهذا المذهب الذي يذهبه المجددون عظيمة جليلة الخطر ، فهي إلى الثورة الأدبية أقرب منها إلى أي شيء آخر . وحسبك أنهم يشكون فيما كان الناس يرونه يقينا ، وقد يجحدون ما أجمع الناس على أنه حق لا شك فيه .
وليس حظ هذا المذهب منتهيا عند هذا الحد ، بل هو يجاوزه إلى حدود أخرى أبعد منه مدى وأعظم أثرا . فهم قد ينتهون إلى تغيير التاريخ أو ما اتفق الناس على أنه تاريخ . وهم قد ينتهون إلى الشك في أشياء لم يكن يباح الشك فيها . وهم بين اثنين : إما أن يجحدوا أنفسهم ويجحدوا العلم وحقوقه فيريحوا ويستريحوا ؛ وإما أن يعرفوا لأنفسهم حقها ويؤدوا للعلم واجبه ، فيعترضوا لما ينبغي أن يتعرض له العلماء من الأذى ويحتملوا ما ينبغي أن يتعرض له العلماء من سخط الساخطين .
ولست أزعم أني من العلماء . ولست أتمدح بأني أحب أن أتعرض للأذى . وربما كان الحق أني أحب الحياة الهادئة المطمئنة وأرد أن أتذوق لذات العيش في دعة ورضا . ولكني مع ذلك أحب أن أفكر ، وأحب أن أبحث ، وأحب أن أعلن إلى الناس ما انتهى إليه بعد البحث والتفكير ؛ ولا أكره أن آخذ نصيبي من رضا الناس عني أو سخطهم على حين أعلن إليهم ما يحبون أو ما يكرهون . وإذن فلأعتمد على الله ، ولأحدثك بما أحب أحدثك به في صراحة وأمانة وصدق ، ولأجتنب في هذا الحديث هذه الطرق التي يسلكها المهرة من الكتاب ليدخلوا على الناس ما لم يألفوا في رفق وأناة وشيء من الاحتياط كثير .
وأول شيء أفجؤك به في هذا الحديث هو أني شككت في قيمة الشعر الجاهلي وألححت في الشك ، أو قل ألح عليّ الشك ، فأخذت أبحث أفكر وأقرأ وأتدبر ، حتى انتهى بي هذا كله إلى شيء إلا يكن يقينا فهو قريب من اليقين . ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء ، وإنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام ، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين . وأكاد لا أشك في أن ما بقى من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جدا لا يمثل شيئا ولا يدل على أي شيء ، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي . وأنا أقدر النتائج الخطرة لهذه النتيجة ، ولكني مع ذلك لا أتردد في إثباتها وإذاعتها ، ولا أضعف عن أن أعلن إليك وإلى غيرك من القراء أن ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء الناس في شيء ؛ وإنما هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صنعة النحاة أو تكلف القصاص أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين .
وأنا أزعم مع هذا كله أن العصر الجاهلي القريب من الإسلام لم يضع ، وأنا نستطيع أن نتصوره تصورا واضحا قويا صحيحا . ولكن بشرط ألا نعتمد على الشعر ، بل على القرآن من ناحية ، والتاريخ والأساطير من ناحية أخرى .
وستسألني كيف انتهى بي البحث إلى هذه النظرية الخطرة ؟ ولست أكره أن أجيبك على هذا السؤال ؛ بل أنا لا أكتب ما أكتب إلا لأجيبك عليه . ولأجل أن أجيبك عليه إجابة مقنعة يجب أن أتحدث إليك في طائفة مختلفة من المسائل . وسترى أن هذه الطائفة المختلفة من المسائل تنتهي كلها إلى نتيجة واحدة هي هذه النظرية التي ذكرتها منذ حين . يجب أن أحدثك عن الحياة السياسية الداخلية للأمة العربية بعد ظهور الإسلام ووقوف حركة الفتح ، وما بين هذه الحياة وبين الشعر من صلة . ويجب أن أحدثك عن حال أولئك الناس الذين غلبوا على أمرهم بعد الفتح في بلاد الفرس وفي الشام والجزيرة والعراق ومصر ، وما بين هذه الحال وبين لغة العرب وآدابهم من صلة . ويجب أن أحدثك عن نشأة العلوم الدينية واللغوية وما بينها وبين اللغة والأدب من صلة . ثم يجب أن أحدثك عن اليهود في بلاد العرب قبل الإسلام وبعده ، وما بين اليهود هؤلاء وبين الأدب العربي من صلة . ويجب أن أحدثك بعد هذا عن المسيحية وما كان لها من الانتشار في بلاد العرب قبل الإسلام وما أحدثت من تأثير في حياة العرب العقلية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية ، وما بين هذا كله وبين الأدب العربي والشعر العربي من صلة . ثم يجب أن أحدثك عن مؤثرات سياسية خارجية عملت في حياة العرب قبل الإسلام وكان لها أثر قوي جدا في الشعر العربي الجاهلي وفي الشعر العربي الذي انتحل وأضيف إلى الجاهليين . وهذه المباحث التي أشرت إليها ستنتهي كلها إلى تلك النظرية التي قدمتها : وهي أن الكثرة المطلقة مما نسميه الشعر الجاهلي ليست من الشعر الجاهلي في شيء .
ولكني مع ذلك لن أقف عند هذه المباحث ؛ لأني لم أقف عندها فيما بيني وبين نفسي بل جاوزتها . وأريد أن أجاوزها معك إلى نحو آخر من البحث أظنه أقوى دلالة وأنهض حجة من المباحث الماضية كلها ، ذلك هو البحث الفني واللغوي . فسينتهي بنا هذا البحث إلى أن هذا الشعر الذي ينسب إلى امرئ القيس أو إلى الأعشى أو إلى غيرهما من الشعراء الجاهليين لا يمكن من الوجهة اللغوية والفنية أن يكون لهؤلاء الشعراء ، ولا أن يكون قد قيل وأذيع قبل أن يظهر القرآن . نعم ! وسينتهي بنا هذا المبحث إلى نتيجة غريبة ، وهي أنه لا ينبغي أن يستشهد بهذا الشعر على تفسير القرآن وتأويل الحديث ، وإنما ينبغي أن يستشهد بالقرآن والحديث على تفسير هذا الشعر وتأويله ، أريد أن أقول إن هذه الأشعار لا تثبت شيئا ولا تدل على شيء ولا ينبغي أن تتخذ وسيلة إلى ما اتخذت إليه من علم بالقرآن والحديث . فهي إنما تكلفت واخترعت اختراعا ليستشهد بها العلماء على ما كانوا يريدون أن يستشهدوا عليه .
فإذا انتهينا من هذه الطرق كلها إلى غاية واحدة هي هذه النظرية التي قدمتها ، فسنجتهد في أن نبحث عما يمكن أن يكون شعرا جاهليا حقا . وأنا أعترف منذ الآن بأن هذا البحث عسير كل العسر ، وبأني أشك شكا شديدا في أنه قد ينتهي بنا إلى نتيجة مرضية . ومع ذلك فسنحاوله .
" 2 "
منهج البحث
أحب أن أكون واضحا جليا وأن أقول للناس ما أريد أن أقول دون أن اضطرهم إلى أن يتأولوا ويذهبوا مذاهب مختلفة في النقد والتفسير والكشف عن الأغراض التي أرمي إليها . أريد أن أريح الناس من هذا اللون من ألوان التعب ، وأن أريح نفسي من الرد والدفع والمناقشة فيما لا يحتاج إلى مناقشة . أريد أن أقول إني سأسلك في هذا النحو من البحث مسلك المحدثين من أصحاب العلم والفلسفة فيما تناولون من العلم والفلسفة . أريد أن اصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه (ديكارت) للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث . والناس جميعا يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل ، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلوا تاما , والناس جميعا يعلمون أن هذا المنهج الذي سخط عليه أنصار القديم في الدين والفلسفة يوم ظهر ، قد كان من أخصب المناهج وأقومها وأحسنها أثرا ، وأنه قد جدد العلم والفلسفة تحديدا ، وأنه غير مذاهب الأدباء في أدبهم والفنانين في فنونهم ، وأنه هو الطابع الذي يمتاز به هذا العصر الحديث .
فلنصطنع هذا المنهج حن نريد أن نتناول أدبنا العربي القديم تاريخه بالبحث والاستقصاء . ولنستقبل هذا الأدب وتاريخه وقد برأنا أنفسنا من كل ما قيل فيهما من قبل وخلصنا من كل هذه الأغلال الكثيرة التي تأخذ أيدينا وأرجلنا ورؤوسنا فتحول بيننا وبين الحركة الجسمية الحرة أيضا .
نعم ! يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخصاتها ، وأن ننسى ديننا وكل ما يتصل به ، وأن ننسى ما يضاد هذه القومية وما يضاد هذا الدين ؛ يجب ألا نتقيد بشيء ولا نذعن لشيء إلا مناهج البحث العلمي الصحيح . ذلك أنـّا إذا لم ننس قوميتنا وديننا وما يتصل بهما فسنضطر إلى المحاباة وإرضاء العواطف ، وسنغل عقولنا بما يلائم هذه القومية وهذا الدين . وهل فعل القدماء غير هذا ؟ وهل أفسد علم القدماء شيء غير هذا ؟ كان القدماء عربا يتعصبون للعرب ، أو كانوا عجما يتعصبون على العرب ؛ فلم يبرأ علمهم من الفساد ؛ لأن المتعصبين للعرب غلوا في تمجيدهم وإكبارهم فأسرفوا على أنفسهم وعلى العلم ؛ ولأن المتعصبين على العرب غلوا في تحقيرهم وإصغارهم فأسرفوا على أنفسهم وعلى العلم أيضا .
كان القدماء مسلمين مخلصين في حب الإسلام ، فأخضعوا كل شيء لهذا الإسلام وحبهم إياه ، ولم يعرضوا لمبحث علمي ولا لفصل من فصول الأدب أو لون من ألوان الفن إلا من حيث أنه يؤيد الإسلام ويعزه ويعلي كلمته . فما لاءم مذهبهم هذا أخذوه ، وما نافره انصرفوا عنه انصرافا . أو كان القدماء غير المسلمين : يهوداً أو نصارى أو مجوسا أو ملحدين أو مسلمين في قلوبهم مرض وفي نفوسهم زيغ ، فتأثروا في حياتهم العلمية بمثل ما تأثر به المسلمون الصادقون : تعصبوا على الإسلام ونحوا في بحثهم العلمي نحو الغض منه والتصغير من شأنه ، فظلموا أنفسهم وظلموا الإسلام وأفسدوا العلم وجنوا على الأجيال المقبلة . ولو أن القدماء استطاعوا أن يفرقوا بين عقولهم وقلوبهم وأن يتناولوا العلم على نحو ما يتناوله المحدثون لا يتأثرون في ذلك بقومية ولا عصبية ولا دين ولا ما يتصل بهذا كله من الأهواء ، لتركوا لنا أدبا غير الأدب الذي نجده بين أيدينا ، ولأراحونا من هذا العناء الذي نتكلفه الآن . ولكن هذه طبيعة الإنسان لا سبيل إلى التخلص منها . وأنت تستطيع أن تقول هذا الذي نقوله في كل شيء . فلو أن الفلاسفة ذهبوا في الفلسفة مذهب (ديكارت) منذ العصور الأولى ، لما احتاج (ديكارت) إلى أن يستحدث منهجه الجديد . ولو أن المؤرخين ذهبوا في كتابة منذ العصور الأولى مذهب (سينيو بوس) لما احتاج (سينيو بوس) إلى أن يستحدث منهجه في التاريخ . وبعبارة أدنى إلى الإيجاز : لو أن الإنسان خلق كاملا لما احتاج إلى أن يطمع في الكمال .
فلندع لوم القدماء على ما تأثروا به في حياتهم العلمية مما أفسد عليهم العلم . ولنجتهد في ألا نتأثر كما تأثروا وفي ألا نفسد العلم كما أفسدوه . لنجتهد في أن ندرس الأدب العربي غير حافلين بتمجيد العرب أو الغض منهم ، ولا مكترثين بنصر الإسلام أو النعي عليه ، ولا معنيين بالملاءمة بينه وبين نتائج البحث العلمي والأدبي ، ولا وجلين حين ينتهي بنا هذا البحث إلا ما تأباه القومية أو تنفر منه الأهواء السياسية أو تكرهه العاطفة الدينية . فإن نحن حررنا أنفسنا إلى هذا الحد فليس من شك في أننا سنصل ببحثنا العلمي إلى نتائج لم يصل إلى مثلها القدماء . وليس من شك في أننا سنلتقي أصدقاء سواء اتفقنا في الرأي أو اختلفنا فيه . فما كان اختلاف الرأي في العلم سببا من أسباب البغض ؛ إنما الأهواء والعواطف هي التي تنتهي بالناس إلى ما يفسد عليهم الحياة من البغض والعداء .
فأنت ترى أن منهج (ديكارت) هذا ليس خصبا في العلم والفلسفة والأدب فحسب ، وإنما هو خصب في الأخلاق والحياة الاجتماعية أيضا . وأنت ترى أن الأخذ بهذا المنهج ليس حتما على الذين يدرسون العلم ويكتبون فيه وحدهم ، بل هو حتم على الذين يقرءون أيضا . وأنت ترى أني غير مسرف حين أطلب منذ الآن إلى الذين لا يستطيعون أن يبرءوا من القديم ويخلصوا من أغلال العواطف والأهواء حين يقرءون العلم أو يكتبون فيه ألا يقرءوا هذه الفصول . فلن تفيدهم قراءتها إلا أن يكونوا أحرارا حقا .
" 3 "
مرآة الحياة الجاهلية يجب أن تلتمس في القرآن لا في الشعر الجاهلي
على أني أحب أن يطمئن الذين يكلفون بالأدب العربي القديم ويشفقون عليه ويجدون شيئا من اللذة في أن يعتقدوا أن هناك شعرا جاهليا يمثل حياة جاهلية انقضى عصرها بظهور الإسلام ؛ فلن يمحو هذا الكتاب ما يعتقدون ، ولن يقطع السبيل بينهم وبين هذه الحياة الجاهلية يدرسونها ويجدون في درسها ما يبتغون من لذة علمية وفنية . بل أنا ذاهب إلى أبعد من هذا ، فأزعم أني سأكتشف لهم طريقا جديدة واضحة قصيرة سهلة يصلون منها إلى هذه الحياة الجاهلية ، أو بعبارة أصح : يصلون منها إلى حياة جاهلية لم يعرفوها ، إلى جاهلية قيمة مشرفة ممتعة مخالفة كل المخالفة لهذه الحياة التي يجدونها في المطولات وغيرها مما ينسب إلى الشعراء الجاهليين .
ذلك أني لا أنكر الحياة الجاهلية وإنما أنكر أن يمثلها هذا الشعر الذي يسمونه الشعر الجاهلي . فإذا أردت أن أدرس الحياة الجاهلية فلست أسلك إليها طريق امرئ القيس والنابغة والأعشى وزهير ، لأني لا أثق بما ينسب إليهم ؛ وإنما أسلك إليها طريقا أخرى ، وأدرسها في نص لا سبيل إلى الشك في صحته ، أدرسها في القرآن . فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي . ونص القرآن ثابت لا سبيل إلى الشك فيه . أدرسها في القرآن ، وأدرسها في شعر هؤلاء الشعراء الذين عاصروا النبي وجادلوه ، وفي شعر الشعراء الآخرين الذين جاءوا بعده ولم تكن نفوسهم قد طابت عن الآراء والحياة التي ألفها آباؤهم قبل ظهور الإسلام . بل أدرسها في الشعر الأموي نفسه . فلست أعرف أمة من الأمم القديمة استمسكت بمذهب المحافظة في الأدب ولم تجدد فيه إلا بمقدار كالأمة العربية . فحياة العرب الجاهليين ظاهرة في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طرفة وعنترة والشماخ وبشر بن أبي حازم .
قلت : أن القرآن أصدق مرآة للحياة الجاهلية . وهذه القضية غريبة حين تسمعها ؛ ولكنها بديهية حين تفكر فيها قليلا . فليس من اليسير أن نفهم الناس قد أعجبوا بالقرآن حين تليت عليهم آياته إلا أن تكون بينهم وبينه صلة هي هذه الصلة التي توجد بين الأثر الفني البديع وبين الذين يعجبون به حين يسمعونه أو ينظرون إليه . وليس من اليسير أن نفهم أن العرب قد قاوموا القرآن وناهضوه وجادلوا النبي فيه إلا أن يكونوا قد فهموه ووقفوا على أسراره ودقائقه . وليس من اليسير بل ليس من الممكن أن نصدق أن القرآن كان جديدا كله على العرب . فلو كان كذلك لما فهموه ولا وعوه ، ولا آمن به بعضهم ولا ناهضه وجادل فيه بعضهم الآخر . إنما كان القرآن جديدا في أسلوب ، جديدا فيما يدعو إليه ، جديدا فيما شرع للناس من دين وقانون ، ولكنه كان كتابا عربيا ؛ لغته هي اللغة العربية الأدبية التي كان يصطنعها الناس في عصره ، أي في العصر الجاهلي . وفي القرآن رد على الوثنيين فيما كانوا يعتقدون من الوثنية ، وفيه رد على اليهود ، وفيه رد على النصارى ، وفيه رد على الصائبة والمجوس . وهو لا يرد على يهود فلسطين ، ولا على نصارى الروم ، ومجوس الفرس ، وصائبة الجزيرة وحدهم ، وإنما يرد على فرق من العرب كانت تمثلهم في البلاد العربية نفسها . ولولا ذلك لما كانت له قيمة ولا خطر ، ولما حفل به أحد من أولئك الذين عارضوه وأيدوه ، وضحوا في سبيل تأييده ومعارضته بالأموال والحياة .
أفترى أحدا يحفل بي لو أني أخذت أهاجم البوذية أو غيرها من هذه الديانات التي لا يدينها أحد في مصر ؟ ولكني أغيظ النصارى حين أهاجم النصرانية ، وأهيج اليهود حين أهاجم اليهودية ، وأُحفظ المسلمين حين أهاجم الإسلام . وأنا لا أكاد أعرض لواحد من هذه الأديان حتى أجد مقاومة الأفراد ثم الجماعات ، ثم مقاوم الدولة نفسها تمثلها النيابة والقضاء . ذلك لأني أهاج ديانات ممثلة في مصر يؤمن بها المصريون وتحميها الدولة المصرية . وكذلك كانت الحال حين ظهر الإسلام : هاجم الوثنية فعارضوه الوثنيون ، هاجم اليهود فعارضه اليهود ، هاجم النصارى فعارضه النصارى , ولم تكن هذه المعارضة هينة ولا لينة ، وإنما كانت تقدر بمقدار ما كان لأهلها من قوة ومنعة وبأس في الحياة الاجتماعية والسياسية . فأما وثنية قريش فقد أخرجت النبي من مكة ونصبت له الحرب واضطرت أصحابه إلى الهجرة . وأما يهودية اليهود فقد ألبت عليه وجاهدته جهادا عقليا وجدليا ، ثم انتهت إلى الحرب والقتال . وأما نصرانية النصارى فلم تكن معارضتها للإسلام إبان حياة النبي قوية قوة المعارضة الوثنية واليهودية . لماذا ؟ لأن البيئة التي ظهر فيها النبي لم تكن بيئة نصرانية ، إنما كانت وثنية في مكة ، يهودية في المدينة . ولو ظهر النبي في الحيرة أو في نجران للقى من النصارى هاتين المدينتين مثل ما لقى من مشركي مكة ويهود المدينة .
وفي الحق أن الإسلام لم يكد يظهر على مشركي الحجاز ويهوده حتى استحال الجهاد بينه وبين النصارى من جدال ونضال بالحجة إلى اصطدام مسلح ، أدرك النبي أوله وانتهى به الخلفاء إلى أقصى حدوده .
فأنت ترى أن القرآن حيث يتحدث عن الوثنيين واليهود والنصارى وغيرهم من أصحاب النحل والديانات إنما يتحدث عن العرب وعن نحل ديانات ألفها العرب . فهو يبطل منها ما يبطل ، ويؤيد منها ما يؤيد . وهو يلقى في ذلك من المعارضة والتأييد بمقدار ما لهذه النحل والديانات من السلطان على نفوس الناس . وإذن فما أبعد الفراق بين نتيجة البحث عن الحياة الجاهلية في هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين والبحث عنها في القرآن !
فأما هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين فيظهر لنا حياة غامضة جافة بريئة أو كالبريئة ومن الشعور الديني القوى والعاطفة الدينية المتسلطة على النفس والمسيطرة على الحياة العملية ؛ وإلا فأين تجد شيئا من هذا في شعر امرئ القيس أو طرفة أو عنترة ! أو ليس عجبا أن يعجز الشعر الجاهلي كله عن تصوير الحياة الدينية للجاهليين ! .
وأما القرآن فيمثل لنا شيئا آخر ، يمثل لنا حياة دينية قوية تدعو أهلها إلى أن يجادلوا عنها ما وسعهم الجدال . فإذا رأوا أنه قد أصبح قليل الغناء لجأوا إلى الكيد ، ثم إلى الاضطهاد ، ثم إلى إعلان الحرب التي لا تبقى ولا تذر .
فتظن أن قريشا كانت تكيد لأبنائها وتضطهدهم وتذيقهم ألوان العذاب ثم تخرجهم من ديارهم ثم تنصب لهم الحرب وتضحي في سبيلها بثروتها وقوتها وحياتها لو لم يكن لها من الدين ل ما يمثله هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين ؟ كلا ! كانت قريش متدينة قوية الايمان بدينها . ولهذا الدين وللايمان بهذا الدين جاهدت ما جاهدت وضحت ما ضحت . وقل مثل ذلك في اليهود ؛ وقل مثله في غير أولئك وهؤلاء من العرب الذي جاهدوا النبي عن دينهم .
فالقرآن إذن أصدق تمثيلا للحياة الدينية عند العرب من هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي . ولكن القرآن لا يمثل الحياة الدينية وحدها ؛ وإنما يمثل شيئا آخر غيرها لا نجده في هذا الشعر الجاهلي ، يمثل حياة عقلية قوية ، يمثل قدرة على الجدال والخصام أنفق القرآن في جهادها حظا عظيما . أليس لبقرآن قد وصف أولئك الذين كانوا يجادلون النبي بقوة الجدال والقدرة على الخصام والشدة في المحاورة ! وفيم كانوا يجادلون ويخاصمون ويحاورون ؟ في الدين وفيما يتصل بالدين من هذه المسائل المعضلة التي ينفق الفلاسفة فيها حياتهم دون ان يوفقوا الى حلها : في البعث ، في الخلق ، في امكان الاتصال بين الله و الناس ، في المعجزة وما إلى ذلك .
أفتظن قوما يجادلون في هذه الاشياء جدالا يصفه القرآن بالقوة ويشهد لأصحابه بالمهارة ، أفتظن هؤلاء القوم من الجهل والغباوة والغلظة والخشونة بحيث يمثلهم لنا هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين ! كلا ! لم يكونوا جهالا ولا أغبياء ولا غلاظا ولا أصحاب حياة خشنة جافية ؛ وإنما كانوا أصحاب علم وذكاء وأصحاب عواطف رقيقة وعيش فيه لين ونعمة .
ومهما يجب أن نحتاط ، فلم يكن العرب كلهم كذلك ؛ وإنما كانوا كغيرهم من الأمم القديمة وككثير من الأمم الحديثة منقسمين إلى طبقتين : طبقة المستنيرين الذي يمتازون بالثروة والجاه والذكاء والعلم ، وطبقة العامة الذين لا يكاد يكون لهم من هذا كله حظ .
القرآن شاهد بهذا . أليس يحدثنا عن أولئك المستضعفين الذين كفروا طاعة لسادتهم وزعمائهم لا جهادا في الرأي ولا اقتناعا بالحق ، والذين سيقولون يوم يسألون : (ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) . بلى ! والقرآن يحدثنا عن جفوة الأعراب وغلظتهم وامعانهم في الكفر والنفاق وقلة حظهم من العاطفة الرقيقة التي تحمل الإيمان والتدين . أليس هو الذي يقول : (الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله) . أليس قد شرع للنبي أن يتألف قلوب الأعراب بالمال ! بلى . فالقرآن إذن يمثل الأمة العربية على أنها كغيرها من الأمم القديمة ، فيها الممتازون المستنيرون الذين كان النبي يجادلهم ويجاهدهم ؛ وفيها العامة الذين لم يكن لهم حظ من استنارة أو امتياز والذين كانوا موضوع النزاع بين النبي بالمال أحيانا .
والقرآن لا يمثل الأمة العربية متدينة مستنيرة فحسب ، بل هو يعطينا منها صورة أخرى يدهش لها الذين تعودوا أن يعتمدوا على هذا الشعر الجاهلي في درس الحياة العربية قبل الاسلام ، فهم يعتقدون أن العرب كانوا قبل الاسلام أمة معتزلة تعيش في صحرائها لا تعرف العالم الخارجي ولا يعرفها العالم الخارجي ، وهم يبنون على هذا قضايا ونظريات ، فهم يقولون إن الشعر الجاهلي لم يتأثر بهذه المؤثرات الخاجية التي أثرت بالشعر الإسلامي : لم يتأثر بحضارة الفرس والروم . وأنى له ذلك ! لقد كان يقال في صحراء لا صلة بينها وبين الأمم المتحضرة . كلا ! القرآن يحدثنا بشيء غيرهذا ، القرآن يحدثنا بأن العرب كانوا على اتصال بما حولهم من الأمم بل كانوا على اتصال قوي قسمهم احزابا وفرقهم شيعا . أليس القرآن يحدثنا عن الروم وما كان بينهم وبين الفرس من حرب انقسمت فيها العرب إلى حزبين مختلفين : حزب يشايع أولئك ، وحزب يناصر هؤلاء ! أليس في القرآن سورة تسمى الروم وتبتدئ بهذه الايات : (آلم غابت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء) .
لم يكن العرب إذن كما يظن أصحاب هذا الشعر الجاهلي معتزلين ؛ فأنت ترى أن القرآن يصف عنايتهم بسياسة الروم والفرس . وهو يصف اتصالهم الاقتصادي بغيرهم من الأمم في السورة المعروفة (لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ..) وكانت إحدى هاتين الرحلتين إلى الشام حيث الروم ، والأخرى إلى اليمن حيث الحبشة أو الفرس .
وسيرة النبي تحدثنا أن العرب تجاوزوا بوغاز باب المندب إلى بلاد الحبشة . ألم يهاجر المهاجرون الأولون إلى هذه البلاد ! وهذه السيرة نفسها تحدثنا بأنهم تجاوزوا الشام وفلسطين إلى مصر . فلم يكونوا إذن معتزلين ، ولم يكونوا إذن بنجوة من تأثير الفرس والروم والحبش والهند وغيرهم من الأمم المجاورة لهم . لم يكونوا غير دين ولم يكونوا جهالا ولا غلاظا ولم يكونوا في عزلة سياسية أو اقتصادية بالقياس إلى الأمم الأخرى ، كذلك يمثلهم القرآن .
وإذا كانوا أصحاب علم ودين ، وأصحاب ثروة وقوة وبأس ، وأصحاب سياسة متصلة بالسياسة العامة متأثرة بها مؤثرة فيها ، فما أخلقهم أن يكونوا أمة متحضرة راقية لا أمة جاهلة همجية . وكيف يستطيع رجل عاقل أن يصدق أن القرآن قد ظهر في أمة جاهلية همجية !
أرأيت أن التماس الحياة العربية الجاهلية في القرآن أنفع وأجدى من التماسها في هذا الشعر العقيم الذي يسمونه الجاهلي ! أرأيت أن هذا النحو من البحث يغير كل التغيير ما تعودنا أن نعرف من أمر الجاهليين !
.
.
يتـــــــــ_ــــــــبـــــ_ــــــــع